الشعر الجديد

الأربعاء,أيار 02, 2007


في آخر الليل الذي لا يأتي دائما

كما تشتهي،

توشك لحظةُ الموت على البداية ...

ما مضى من عمرك يأتيك حافيا حتى من الشِِّْعر،

والأصدقاء.

حبيباتُ ُ، كالأحلام و الأمنِيات

 توّزعْنَ شظايا...

كيف ستُمسك بلحظة الخلق ،

إنْ تراءت لك النهاية ؟

………………

 

تأتيكَ اللغة فتأبى ،

و تأتيكَ الذّكرى فتأبى ...

كأنَّكَ صخرُُُ ُ  مِنَ الْمعنى !

آلتْ إليكَ النهاية،

 فقطفْتَ الأرْجُوان لتَخُبَّ خجلَ الحقيقة من الغابرِ فيك !

عُمْرُُ ُ مَرَّ سريعا كاللُّغة ،

والكرى الذي غادر جفنَك منذ قليل يأبى البكاء ،

فَلِمَ تسْترِقُ الدّمعَ في آ خرِ الليل الذي لا يأتي دائما كما تشتهي ؟

وتخبو سريعا كالنار في الماء؟

أمٌك ها هُنا، أبوك، إخوتُك وما تيسَّر من الأصدقاء،

حبيباتُُُ ُ يعِدْنَ و لا يعُدْنَ.....إلاّ فتنةَ َ في الذاكرة

ابنُُ ُ يطلُّ مِنْ شُرفة الروحِ،

 يشقى حين تشتهي و لا تستطيع،

حروفُُ ُ أيْنعت و حان وقتُ قطافها تئِنّ من عطشِ ِِ في الوتر ....

 

في آخر الليل الذي لا يأتي دائما

كما اشتهي،

تمرّ سريعا كل الصُّوَر ، فأغشى

وأنسى سريعا ما مضى من عمر قصير .

على حافة الروح أمشي،

 وفي ركن صغير من القلب أطفو كالشهداء....
من مِلْح ما تركوا ،

أشيِّدُ البحرَ من جديد

وأُعَلِّمُ الحُوتَ طُقوسَ الغناء ،

لِيَعلوَ هذا النشيد ؛

الماءُ لعبة غامضة ،

و الموت ساحةُ ضياء ..

تُجمِّع كلَّ الذين أحببتَ، فهَلَكوا

حين اشتركوا في الحُلْم البسيط

في آخر الليل الذي لا يأتي دائما

كما تشتهي....

........................................

( الابن)

عارُ ُ عليك يا أبي،

في غفلةِ ِ من عناقي لك،

تدسّ في أثوابي كلّ خطاياك دُفعةَ َ واحدة!

و تُهمْهِمُ غائما،امْسحْها عني يا بُنَيْ  
( كم عمرا يلزَمُني لأُزحْزِحَ عن صدرك واحدة
!)

الجرعةُ أقوى مِنْ احتمالي ،

وأنا الرضيع تُلْبِسُني حُلّةَ المقاتل و الشُّهَداء!

لا أسنانَ لي لأنهش من بارك ألمكْ...

لا صوتَ لي لأهتِف بهم، كفّوا(و لن يكفّوا)

عن أكل لحمك .

انتظِرْ قليلا،

سترى ما أعدّوا لك من المكائد ،

و القصائدِ التي ستُتْلى عليك في طقوس المقابر المُهمَلة،

هذا الجُبّ لم يكن لي بل كان لك!

فاحترس منهم (و لن تحترس) لأنك أوّلُ من هلك.

و ابتسِمْ حتى لا تُثير الشّفقة ،

وانْسَ قليلا رغبة القلب في الانحناء و البكاء.

و لتكن ما كنتَهُ منذ قليل، يا نبي !

شاعرا لا يخاف الاقتحام

(و رأيتُني عاليا كالسماء،

فعشقتُ عمري لو يطول..

وسمعتُ صوتا ينادي أنِ ِ اقتحمْ !

قد كنتَ صرحا ،فاستقمْ

        لتعيد لغة القلب إلى الأفئدة )

واجعلْ مِنّيَ شكلا آخرَ للقصائدِ   التي لم تكتُبْها

ولتكنْ خيانةُ  الأصدقاء

فصلا آخرَ مِنَ المشنقة ،

و دليلا، ذ َلــيلاَ على سَلَفِيّةِ الشُّعراء.

سيأتي الليل هذه المرّة، اقْسِمُ

فانتظرْ آخره الذي لا يأتي دائما كما نشتهي...

(الأمّ)

حين كنتُ طفلا،

وعدتُها أنْ أكبُرَ.

ها إنّني على عتبة الأربعين،

لم أحقق لها حلما واحدا، حتى في أنْ أكبُرَ!

الدمعةُ النائمة ُ في أعماق الحدقة ،

لم يمسحها منديلي ..

الذاكرة ُ المفتوحة ُ على الألم ،

لم يكتب فيها  قلمي  فرحا واحدا

لتغيير المفردات الداكنة...

انتظارُ ما سيجيء به الأبناء بعد قليل،

أصبح أبديا كسفري الدائم نحو المجهول

و الذّكـــريات ُ تداعتْ جُرحا لا ينام .

ماذا لَــَوْ عاد طِفلُ الأربعين

 إلى وجهــكِ الصّباحي ؟

لينسى قليلا غُـروبَ مَلامِحِهِ،

تلكَ التي مضى بِها جَرادُ الْمدينةِ

إلى جهـــاتِ ِ لَها رائحة ُ الْوداع الأخيــر

و الليل يأبى أن يأتي كما اشتهي ...

ستكبر أمي مثلي

ليكبرَ ألمي

ويجفَّ الماءُ الذي ترعرع في الْواحات...

ربّما، سأنساها قليلا

لأجْلِ أخرى ولا أستطيع

ماذا أقول و بي عطش إليها؟

اخترتُ الرّحيل, فاقتربتْ

وغنّتْ مواويل الجنوب،

قلتُ كُفِّي (زيدي !)

كي لا أموت قبل ارتواء..

وجهُ القبيلة ها هنا !هُنا الصحراء،

هُنا الاحتفال،

هنا الماء...

وأنا لا أستطيعالبكاء

أما زلتِ بعد كلِّ هزائمي  تُحبّين

هذه الْجُثّـــة الباردة،

و تنتظرين لِحافَ الليْل،  زُنّــارَ نُجومهِ ،

لِتنهض مِنْ سُباتِها

و ترقُصَ احْتفالا بالضِيــاء.

و لكنّ هذا الليْل لا يأتي دائما كما تشتهين .

....................................................

 

(الأب)

زخّت قطراتُ المطر

على نوافذ الغرفة الوحيدة

و همى  في ديسمبر القاسي هذا البرد .

فاضت المنازل الشعبية ،

فخرجت صرختي الأولى شريدة.

هكذا أورثتني شكلا آخر للطوفان ،

لم أسأل كثيرا لماذا خبوتُ سريعا، رمادا

له رائحة السجائرِ الرخيصةِ ؟

و احترقتْ كبدي في غياهب الحانات الحزينة .

(قلتَ لي: ستكبرُ غدا يا كبدي،

لِتُدْرِك أنْ لا شَيء يستحق هذا الْعناء ،،

لا شيء سيبقى سوى شجرة الْفَنــاء .

وحدها ،سترِثُ عناصرَ الطبيعة

و تمحو أدرانَ الإنسان )

......ثُمّ غبتَ عابر سبيل

في زحام الفلْسفة.

هي الأحلامُ ـ دائما ـ تُوَرَّثُ، لكنّها –أبدا-لا تتحقّق:

كطردِ الفقرِ مِنَ الباب ،

كحُلْمِ العَوْدةِ إلى الْجنوب ،،

أو كالغِياب.

كانتصار الشُّعُــــوبِ في امتِحان الصّناديق ،

كاسترجــاع الْقُــدْسِ بِخارطة الطّريــق،،

أبَدا لـــن تتحقّق.

كاشتهاء أُنْثى مُكْتَنِزَة دونَ وُصول،

 كَجَشَعِ أبيها أَوْ كجُيُوب الأغْنِياء،

كَمَفْهُومِ الْوزارة ِ عِنْدَ صاحِبِ الدُّف ،،

مادامَ جارا للأصول،

كالتّقَوُّلِ في فلسفة ِ الْبَقاء .

كتبرير الأصدقاء لخيانة الشعر ،

أوْ خَوْفِهِمْ الْخروجَ عَنِ الصّف ..

كَحُبِّهم للْقطيع في مَرْعى اللّغَةِ الْحديثة ،

و الرِّهانِ على شُعَراء ِ الْخُيولِ

و قيادة قبيلة بَني قلَّةِ الْحَياء (هي الحياة !).

 

لَيْسَ لِي مَا لَيْسَ لِي ،

و َ ما كَانَ لي ، لَمْ يَعُدْ لي

(بَعْدَ تَغرِيبَةِ الْمَعْنى، و أُمّي . . .

غُرْبَتُنا أصْبَحتْ عُرْساَ َ ،

و التفاصيلُ غَدَتْ فَتَافِيتَ حرف ).

 

لماذا، في لِقائنا المباغت كالحرب

نشتكـــي من قصائد اللغة

 ونغوص في تفاصيل الْغُرباء ،

و ننسى أنّنا الغرباء بيْنَهم ؟

وأنّ الأرضَ بِمَنْ عليْها

لا بِمَنْ توارى في السّديم ..

ماذا لوْ تعانقنا طويلا،

و بكينا طويلا ،

و ضحكنا قليلا

إن استطعنا إليْه سبيلا،

ثُمّ مضى كلُّ ُ إلى غُربته .

 

...(كن بسيطا كالأحياء الشعبية)

كُنْ شاهقا كالنخيل

(وداعا)

وداعا، سيَجْمعُنا انتظارُ هذا الليْل

الذي لا يأتي دائما كما نشتهي.

....................................

( الأصدقــاء)

 

يحتاجُني الله على الأرض

 لأدُلّ ملائكة الْحساب

على  من ارتدّ عن الْفكرة

و اعتنق روح الخفّاش .

يحتاجُني حتى لا يضيع يوم الحساب

بين الشكّ و اليقين .

هيَ الأرضُ تبكي ضحاياها البُسطاء ،

و تشكو غدر قادتهم من الشعراء

( ليْس لهم واد ،و لا أهلُ ُ

غير إشاعة ِ الليْل

و تمجيد الْخراب)

 

اختبأتُ خلف جدار الأصدقاء ،

عسى الْعددَ يفكّ هذا الحصارَ

لِيعودَ إلى البيْت

ثُمّ سريعا إلى الْقبر.

و اشتعلْتُ نارا لِأرواحهم الْباردة ،

شمسا مُشرِقة...

كان اختبارا لِما سيأتي في ابتسامة ذِئبِهم الْمُسْتَتِر .

نَحَروني ،و ما كنتُ شهِيّــا كرُؤوس حُكــّامِنا

في أعيادِ الدّم  ،

لمْ أكن مُستعدّا كما يجب للغروب ،

في حضرة الْمنابر و خِرافِ الْمصدح و الْغنائم .

 

هُوَ قَرنُ ُ جديد،

شُعراء جدد،

يتبجّحون كثيرا بِمآثر ما وراء الحداثة

و أفْضالِها على ماهية  الشعر و جيوبِهم .

 كُؤوسُ ُ سَتُرْفَعُ

 على نَخبِ الْجماجم

و الْحمائمِ الّتي سارتْ بِسلامها

إلى جنازة الكلام.

إذن، مَوْتُ ُجديد

و خيانات ُ ُ تدُلّ على الْمُتنبّي

بلا سيْفِ الشعر ؟